بقلم: محمد دنيـــــــــــا

لن يَختلف إثنان في أن حزب العدالة والتنمية يُمكن إعتباره أقوى تنظيم حزبي بالمغرب؛ إلى جانب حركة العدل والإحسان “المحظورة”، وهذه القوة التنظيمية معرضة اليوم أكثر من أي وقت مضى لهزة زلزالية قوية؛ ستحوله لا محالة إلى دكان إنتخابي يقصده اللاهثون وراء التزكية للترشح للإنتخابية، كما لن نَختلف إن قلت أن حزب البيجيدي يعيش اليوم أحلك أيامه مند ولادته، ومن المرتقب أن يُصبح الحزب ذو المرجعية الإسلامية في الأشهر القليلة المقبلة هيكلاً حزبيَّاً فارغ المضمون؛ شأنه شأن الأحزاب الكرطونية التي لا تملك قرارها السياسي.
إن من أبرز علامات السَّاعة الكبرى لدى حزب العدالة والتنمية، هي القُبول بالتنازلات الواحدة تلو الأخرة الغير مُبررة أصلاً؛ حيث كانت البداية بالتنازل عن إبن كيران الذي تعاقد أخلاقيا مع المنتخبين الذين كان لهم الفضل في حصد الحزب 125 مقعد والتربع على صدارة الأحزاب في الإنتخابات، باعتبار ابن كيران الشخص الذي قال للمغاربة ذات يوم “أنتما غير عطيوني أصواتكم وخليوني مني ليهم”، وباعتباره الرجل سليط اللسان ذو الخطابة والفصاحة الأكثر تواصلا مع الشعب؛ وبفضله أصبح الحزب الأكثر شعبية في المغرب، وبِصَمت الحزب عن عزله وقبول قيادة البيجيدي التضحية بالملقب ب”الزعيم”؛ فلا محالة أن الحزب سيَخسر أكثر ما سيربح.
تم تَنازل الحزب على شرطه في مُسلسل التحالفات في عدم دخول حزب الإتحاد الإشتراكي للحكومة، والخطير هنا أنه تنازل عن موقفه بقرار سيادي؛ كما صرح بذلك رئيس الحكومة الجديد في جلسة إنتخاب وزراء العدالة والتنمية، دون أن يتم الإفصاح عن من هذه الجهة التي من مصلحتها دخول حزب لشكر للحكومة، القرار السَّيادي هنا يُبرز أمراً واحداً؛ هو أن حزب المصباح الذي يَتبجَّح بالشِّعارات الفضفاضة الأكبر منه، هو غير مُستقل الموقف والقرار؛ شَأنه شأن الدكاكين السياسية التي تعمل ب “التيليكوموند” عن بُعد وتنفِّد حَرفيا إملاءات العفاريت والتماسيح التي زعم الحزب أنه يُحاربها !؟
هذه التنازلات الخطيرة من حزب العدالة والتنمية من شأنها أن تَعصف به نهائياَ؛ ولاسيم أن الحزب يَعيش اليوم غلياناً داخلياً كبيراً إن لم أقل ثورة داخلية، لأن الصَّاعقة التي هَزَّت كيان المصباح لم يَستوعبها هذا الأخير ولا مُؤسَّساته وهياكله، كما لم تَستطع المجالس المُغلقة والجدران كاتمة الصوت إمتصاصها، فتَسربت إلى جدران الفيسبوك بعفوية مطلقة؛ وهناك بدأت ثورة البيجيديين على أولياء أمورهم.
مواقف أعضاء البيجيدي على صفحات الفيسبوك إختلفت وتباينت؛ حيث إتهم البعض منهم رئيس الحكومة الجديد ورئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني؛ بإبعاد الأمانة العامة للحزب عن مسار وكواليس نقاش المفاوضات حتى أصبحت حكومته حبلى بستة أحزاب، فيما لم يَستسغ البعض من قادة المصباح إنبطاح الفقيه السوسي سعد الدين العثماني للملياردير السوسي عزيز أخنوش، الذي إستحود على كل القطاعات الإقتصادية الأساسية للحكومة، هذا؛ ولم يتقبل بعض البيجيدين كذلك دخول عدو الحزب عبد الوافي لفتيت الحكومة من بابها الواسع وتقلُّده منصب وزير الداخلية.
في ظل هذه المستجدات السِّياسية التي أصبحت فيها مكونات العدالة والتنمية تصِف الحكومة التي يترأسها حزبها؛ بحكومة الذل والمهانة التي لا تمثل الشرعية الإنتخابية والرغبة الشعبية، (أصبحت) بعض مكونات الحزب تتبنى مواقف متباينة تبرز مدى التيه الذي يعيشه المصباح وطنيا، حيث دعى تيار إلى ضرورة وضع مسافة بين الحزب والحكومة والتعامل معها بمنطق المساندة النقدية؛ في وقت طرح تيار أخر إمكانية التجديد لبنكيران لولاية ثالثة، كنوع من رد الاعتبار له بعدما لحقه من إهانة، فيما يدعو التيار الثالث إلى عقد دورة المجلس الوطني للحزب “باش إفكو الحسبات”.
إذن من خلال التيارات الجديدة التي أصبحت تنازع الأمر داخل حزب العدالة والتنمية المغربي، يمكن القول أنها النهاية المحتومة عبر التفتث التدريجي للحزب الأقوى تنظيماً بالمغرب، والحزب اليوم في مُنعطف خطير يَصطدم فيه بطريقين مُختلفين، طريق الإستقلال ومُنازعة أولي الأمر في السلطة؛ وطريق الطاعة وفقدان القرار و”بيع الماتش”، مُنعطف غطَّت فيه الأسئلة على الأجوبة والشك يغلب على الثقة، شبيه بالذي عرفه حزب الإتحاد الإشتراكي بعد رحيل عبد الرحمين بوعبيد، هذا؛ والمُستقبل القريب كفيل بالأجابة عن كل هذه التخمينات والتحليلات الشَّخصية للحالة الراهنة لحزب العدالة والتنمية المغربي