على الطريق الإقليمية رقم 1011، وعلى بُعد نحو 40 كيلومترا من مركز آيت باها، ووسط جبال اشتوكة آيت باها، تقع واحة “تالما”، إحدى أجمل الفضاءات الطبيعية، ومورد رزق لعدد كبير من الساكنة المُحيطة بها، التي تُمارس وسط مستغلاّت فلاحة معيشية.

وباعتبار المياه أساس أية زراعة، فإن “تالما” تتميز عن واحات أخرى بمحاذاتها، كـتزايوت وتغيغيت، بـوفرة هذه المادة التي تتدفّق انطلاقا من منابع طبيعية على امتداد شهور السّنة؛ وهو ما يسمح بمزاولة النشاط الزراعي واستمرار ضمان الكلإ للماشية، بالإضافة إلى ضمان مصدر رزق للساكنة، عبر انتعاش ترويج المزروعات في الأسواق المحلية، أو مقايضتها مع القبائل المجاورة بسلع ومنتوجات أخرى.

محمد المودن، واحد من الفلاّحين القلائل الذين ظلّ ارتباطه بهذه الواحة ممتدّا في الزمان كما في المكان، يتذكّر، في حديثه إلى هسبريس، ما سمّاها فضائل الواحة على الساكنة المحلية والمناطق المجاورة، “فقد كانت المصدر الوحيد لتوفير المواد الأساسية في البيت المحلي، لا سيما الحبوب وبعض الخضراوات، في فترة امتدّ فيه الجوع إلى مناطق عدّة من البلاد، حيث كان القاطنون في المداشر القريبة منها محظوظين أكثر من غيرهم”.

ويحكي هذا الشيخ الثمانيني أن الله أنعم على هذه البلدة بواحة “تالما”، المعروفة بـ”تاركا”، والممتدّة على عشرات الهكتارات، حيث “كانت الزراعة منتعشة في حقولها، والفلاحون يخدمونها في تفان، وفق نمط زراعي وسقوي مضبوط، يتحدّدان وفقا لفصول السنة، وفي احترام تامّ للأعراف المرسوّة من لدن ممثلي القبائل المستغلّة لتلك الحقول الزراعية”.

وبعكس اليوم، الذي يبدو أن “تالما” تواجه شبح التهجير والتهميش، يسرد المتحدّث سالف الذكر، أن كل أنواع الخضروات الأساسية والحبوب، بالإضافة إلى أشجار الزيتون والنخيل وبعض الفواكه، كانت تؤثث المستغلاّت الزراعية، وكان امتلاك أكبر عدد منها، وتنويع المزروعات، يُدخل الملّاكين في خانة أثرياء فترتهم؛ “فالغنى يُقاس بمدى توفر المواد الأساسية الكفيلة بمواجهة شبح الجوع، والتي مصدرها الوحيد في تلك الحقبة هو الواحة”.

وعن طريقة تدبير شؤون واحة “تالما”، فتحتكم إلى ضوابط يحترمها الجميع، ومخالفتها تستوجب الزجر؛ ففي جانب الري، فتعتمد على “توالا” أو “النوبة”، يسهر شخص يتم اختياره ممّن تتوفّر فيه شروط الإجماع، يُطلق عليه “أنضاف”، على تتبع العملية، نهارا كما في الليل، وفقا لبرنامج مُحدّد. كما يستخلص الذعائر من المزارعين الذين تعمّدوا خرق قواعد العملية. كما أن عمليات الحرث والزرع وحصد الغلاّت لا تخضع للمزاجية، حيث إن الجميع مُلزم باحترام نوعيتها ومواقيتها، التي يُتّفق عليها من لدن “الجماعة المُسيّرة”، حسب الآراء التي استقتها هسبريس من عين المكان.

وفي جانب الإكراهات التي واجهت وما زالت فلاّحي “تالما”، الهجوم الليلي لجحافل الخنزير البرّي، التي يعيث في مستغلاتهم فسادا، يضطرّهم إلى المبيت بجانبها في عمليات “حراسة”، تكون في بعض الأحيان بالتناوب بين مالكي المستغلّات المتجاورة، وتتغيّا التصدي لهذا الحيوان في إفساد المزروعات، هذا بالإضافة إلى توقّف عمليات الإرشاد الفلاحي ودعم الفلاحين وتأطيرهم من لدن الوزارة الوصية على القطاع؛ وهو ما دفع الكثيرين منهم إلى الهجرة وترك الحقول، التي ما باتت تستطيع إعالتهم.

وممّا يُميز واحة “تالما” إسناد عدد من الأعمال الزراعية إلى النساء، اللواتي يُشمّرن عن سواعدهن في كل صباح، وعلى متن دوابّ تقطع مسافات طويلة يقصدن الواحة، لمُباشرة جمع الكلإ أو الحرث التقليدي أو الزرع أو الحصاد وغيرها، فيما تتم عمليّات أخرى من لدن الرجال كالسقي، الذي يتطّلب في بعض الأحيان السهر إلى أوقات متأخرة من الليل، لا سيما في الفترات الصيفية، التي تشهد بعض الانخفاض في كميات المياه المتدفّقة.

عابد إعلون، رئيس الجمعية الفلاحية “تالما”، قال، في تصريح لهسبريس، إن مواجهة الاندثار التي تُعاني منه الواحة المذكورة، واستعادتها لدورها الإستراتيجي ذات الارتباط بالأمن الغذائي المحلي في فترة عصيبة، ينبغي معه إعادة الاعتبار لهذا الموروث الطبيعي، الذي يمكن أن يتجاوز دوره في توفير العيش للناس وللماشية؛ بل يمكن استغلاله في مجال السياحة القروية، باعتبارها فضاء إيكولوجيا متميّزا، حسب تعبيره.

وأضاف المتحدّث أنه من أجل تشجيع الساكنة المحلية على العودة إلى زراعة حقولهم، التي هجروها، “وجب إحاطة الواحة بسياج، لحمايتها من غزو الخنازير البرّية. كما أن مطلب بناء سد “آيت لعبّاس” على وادي انكارف، من أجل تجميع مياه الأمطار، أضحى ضرورة مُلحّة، لما سيُسهم فيه من ضمان مياه السقي على امتداد السنة، وتجاوز التقنيات التقليدية في السقي، عبر الري بالتنقيط وبأساليب عصرية، ستُمكّن من تدبير مُعقلن لتلك المياه”.

ويرى رئيس جمعية “تالما” للأعمال الفلاحية أن إعادة النظر في نمط الاستغلال الزراعي، بتنويع المزروعات والأشجار المثمرة، بتجاوز الأنماط الحالية، وتوزيع الحقول وسط الواحة بتجميعها، من شأنه أن يُسهم في إرجاع الحياة إلى المنظومة الواحية بتالما، وتشجيع المُزارعين على الاستقرار.

كما طالب المتحدّث بأن تشمل برامج الوكالة الوطنية لتنمية الواحات وشجرة الأركان هذه الواحة، وإحياء واحات قريبة كتزيوت وتغيغيت، والاستفادة من مخطط المغرب الأخضر.

رشيد بيجيكن